يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
42
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
حبيب النيسابوري يقول : سمعت أبي يقول : سمعت محمد بن محمد الورّاق يقول : سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول : إذا سكت فأنا واحد من الناس ، وإذا تكلمت فأنا واحد في الناس . قال : وسمعته يقول : أفواه الرجال حوانيتها وأسنانها مفاتيحها ، فإذا فتح الرجل باب حانوته تبين العطار من البيطار والتمار من الزمار . وقال الشاعر : المرء يعجبني وما كلمته * ويقال لي هذا اللبيب اللهذم فإذا قدحت زناده وسبرته * في الكف زاف كما يزيف الدرهم وقال آخر : ترى الناس أشباها إذا جلسوا معا . * وفي الناس زيف مثل زيف الدراهم وقال عدي بن الرقاع : القوم أشباه وبين حلومهم * بون كذاك تفاضل الأشياء نادرة : تكلم رجل عند عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه فأحسن ، . . . قال : وحدّثنا محمد بن الحسين بن خلف البغدادي قال : حدّثنا أبو الفضل بن المأمون قراءة عليه قال : حدّثنا أبو بكر الأنباري قال : حدّثنا محمد بن المرزبان ، أنبأنا أبو عبد اللّه محمد بن شجاع قال : حدثنا محمد بن زياد قال : تكلم رجل عند عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه فأحسن ، فقال عمر : هذا واللّه هو السحر الحلال . قلت : الرجل الذي تكلم عند عمر رضي اللّه عنه هو ، واللّه أعلم ، الذي ذكر بعض الرواة أنه لما استخلف عمر بن عبد العزيز فقدم عليه وفود أهل كل بلد فتقدّم إليه وفد أهل الحجاز فاشرأبّ منهم غلام للكلام ، فقال عمر : يا غلام يتكلم من هو أسنّ منك ، فقال الغلام : يا أمير المؤمنين إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، فإذا منح اللّه عبده لسانا لافظا وقلبا حافظا فقد أجاد له الاختيار ، ولو أن الأمر بالسنّ لكان هاهنا من هو أحق بمجلسك منك . فقال عمر : صدقت تكلم فهذا هو السحر الحلال . فقال : يا أمير المؤمنين نحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة ، لم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة لأنا قد أمنا في أيامك ما خفنا وأدركنا ما طلبنا ، فسأل عمر عن سنّ الغلام فقيل : عشر سنين . وقد روي أن محمد بن كعب القرظي كان حاضرا فنظر إلى وجه عمر قد تهلل عند ثناء الغلام عليه ، فقال : يا أمير المؤمنين لا يغلبن جهل القوم بك معرفتك بنفسك ، فإن قوما خدعهم الثناء وغرّهم الشكر فزلت أقدامهم فهووا في النار ، أعاذك اللّه أن تكون منهم وألحقك بسالف هذه الأمة ، فبكى عمر حتى خيف عليه وقال : اللهم لا تخلنا من واعظ زاجر . أخذ الشاعر قوله هذا هو السحر الحلال ، فقال :